dimanche 25 avril 2010

محمد أركون حول العلمانية ودور المثقف

تكمن أهمية المفكر الجزائري محمد أركون في قراءته المختلفة للفكر الإسلامي وتاريخه، قراءة تختلف عن القراءة الفيلولوجية للاستشراق الكلاسيكي وتفكك هيمنة الأرثدوكسية السنية. ولعل هذا ما دفع أركون إلى تأسيس ما سماه بالإسلاميات التطبيقية والتي تتجاوز منهجية الإسلاميات الكلاسيكية الخاصة بالمستشرقين وتعمد إلى تطبيق علوم الإنسان والمجتمع على دراسة الإسلام بدلا من الاكتفاء بالدراسة الوصفية. رشيد بوطيب في عرض لأهم أطروحات محمد أركون التجديدية.

ينتقد أركون الرؤية السائدة في الغرب التي تختزل العالم الإسلامي إلى "معسكر للتطرف والتزمت، متجاهلة القوى الأخرى داخل هذا المجتمع والتي تناضل منذ عقود من أجل مجتمع مفتوح وحوار نقدي بين الأنا والآخر" حتما إن المثقف جزء من اللعبة الحضارية في المجتمعات الغربية، وركيزة قامت عليها هذه الحضارة ومازالت. ولا أحد ينكر الدور الذي اضطلع به فلاسفة الأنوار في كل من فرنسا وانجلترا وهولندا وألمانيا في تفكيك الحقائق السكولائية والتبشير بعهد الإنسان والحداثة والعقل، بل وفي الإعداد للثورة الفرنسية التي أطلقت التاريخ من عقاله وغيرت الأفق الرمزي والفكري والسياسي والحضاري للبشرية.

كما لا أحد ينكر دور المثقف الغربي في تفنيد أوهام الحركات الفاشية كما حدث في ألمانيا مع كتاب مثل رائد العمل المسرحي برشت وتوماس مان وأعلام مدرسة فرانكفورت النقدية أو في ايطاليا مع الفيلسوف الكبير أنطونيو غرامشي بل وفي نقد السياسات الاستعمارية لحكوماتهم كما هو حال جان بول سارتر في فرنسا.

لكن المثقف العربي لم يتمكن من الاضطلاع بهذا الدور المركزي داخل المجال العربي ـ الاسلامي، ليس لأنه لم يكن عارفا أو مدركا لدوره التنويري ولكن لأن المجال العربي ـ الاسلامي محكوم بتراتبية متحجرة، لا مكان فيها للمثقف الدنيوي إلا كتكنوقراط أو خادم في بلاط الملك بل وكخادم من الدرجة الثانية، باعتبار أن دور المثقف في هذا المجال يلعبه الفقيه وتحتكره المؤسسة الدينية. ولهذا سيكون من الأجدى الحديث عن غياب المثقف داخل المجال العربي ـ الإسلامي، باعتباره مجالا محكوما بحقائق ثابتة وسلطة مطلقة لا تؤبد غير الخضوع، ولا تفرخ لغير نموذج الشيخ والمريد، هذا على الأقل ما يؤكده المفكر الجزائري محمد أركون وكثير من المثقفين المعاصرين.

"الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد"

في كتابه "الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد" يتحدث أركون عن تصوره عن المثقف ودوره ورسالته قائلا:"نقصد بالمثقف هنا ذلك الرجل الذي يتمتع بروح مستقلة، محبة للاستكشاف والتحري، وذات نزعة نقدية واحتجاجية تشتغل باسم حقوق الروح والفكر فقط. ويمكننا هنا تسمية نماذج كبرى من المثقفين الذين مارسوا مثل هذا الموقف الحر والمستقل: فمثلا الجاحظ والتوحيدي يعتبران من أكثرهم جرأة و"حداثة". وهناك أيضا الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد، لكيلا نستشهد إلا بالأسماء الكبرى للفلاسفة الذين مارسوا أيضا البحث الفلسفي الذي لا يحذف الفكر الديني وإنما يهضمه ويتمثله".

لكن هذا الموقف الفلسفي أو النقدي المستقل اختفى من داخل الثقافة الإسلامية بعد أن سادت الأورثدكسية كل مجالات التفكير والحياة، هذه الأرثدوكسية التي أنتجت نمطا معينا من المثقف هو الفقيه، الحارس الأمين والشرس للتراث أو بالأحرى لقراءة دوغمائية للتراث، والذي لا يفعل حسب محمد أركون سوى إعادة إنتاج الماضي وتأبيد وصاية الأموات على الأحياء. وهذا ما ينعته أركون بالسياج الدوغمائي المغلق. فهو سياج وليس فضاء، ليس مدينة أو ساحة تقبل بتعدد الأصوات والأفكار وهو دوغمائي لأنه يتكلس عند يقينيات ومبادئ فوق التاريخ لا يمسها التغير ومغلق لأنه يكفر كل محاولة للتجاوز أو للتسلل خارج مضارب النص أو الهوية. كان ابن تيمية بنظر أركون أبرز ممثلي هذا السياج الدوغمائي المغلق في الماضي، نموذج ما برح ينبعث من جديد يقول أركون ويتابع "ويحظى بكل آيات التقدير والتبجيل، وتترسخ مكانته بكل وظائفه التقليدية". وطبعا فإن أركون يعني بذلك دور الإخوان المسلمين والحركات الإسلاموية المعاصرة في الانتصار للأرثدوكسية ورفض ومعاداة العلمانية والحداثة.

إن السياج الدوغمائي المغلق هو الخطاب الديني الذي تمحور حول الله والحكم والجنس والذي احتكر ـ ومازال ـ لنفسه حق الحديث عن هذه الأقانيم الثلاثة، رافضا ومكفرا كل قراءة تتعارض ورؤيته التمامية. ولاغرو بأن القاعدة الأساسية التي تقوم عليها هذه النظرة هي الطاعة، طاعة المؤمنين لله من جهة، وربط طاعتهم للسلطان بطاعتهم لله، إذ كما تقول قاعدة فقهية :"حاكم جائر خير من فتنة داخل الأمة". ثم إخضاع المرأة للرجل وتأبيد رؤية دينية ـ تقوم على مركزية قضيبية ـ للأسرة وللعلاقات بين الرجل والمرأة.

ويسجل أركون بأن ظهور مثقفين عرب نقديين درسوا في الغرب لم يساهم في اختفاء هذه الرؤية الرجعية ولا في اختفاء رجال الدين من الساحة، الذين نافسوا المثقفين الليبراليين ونجحوا في التأثير عليهم، إذ لم يتوفر المثقفون النقديون على قاعدة شعبية يستندون إليها، وأصبحوا معزولين واختار أغلبهم الهجرة أو الصمت. يقول أركون:"ما بين لحظة الاستقلال وحتى اليوم، وجدنا أن أيا من المجتمعات الإسلامية أو العربية لم يسمح بظهور فئة من المثقفين المستقلين النقديين المؤثرين عن طريق ممارستهم للعمل الدؤوب والمستمر، إلى الحد الذي يتيح لهم تشكيل ذروة الهيبة الثقافية أو السيادة الفكرية العليا" وبلغة أخرى، إلى الحد الذي يتحولون فيه إلى مرجع فكري وروحي وأخلاقي للمجتمع، ولا يعود ذلك لأسباب سياسية بحتة وإلى التحالف القائم بين السياسة ورجال الدين وحسب، ولكن أيضا إلى طبيعة الرؤية الدينية نفسها كما يعتقد أركون والتي ترفض تنسيب الحقيقة واقتسامها مع آخرين وترفض استقلالية العقل مختزلة إياه إلى مجرد خادم للوحي، أو إلى حواش عقيمة على النص المؤسس.

لكن على الرغم من ذلك يرى أركون بأن سطوة السياج الدوغمائي المغلق لم تحل دون ظهور حركة إنسية عربية ومثقف عربي نقدي منفتح على الثقافات الأخرى ومقبل على التعلم منها وتوسيع آفاقها داخل المجال الثقافي العربي الإسلامي، بل إنه لم يتورع عن القول بأن الجاحظ والتوحيدي كانا أكثر "حداثة" من عديد من المثقفين العرب اليوم.

نقد المركزية الثقافية الغربية

تندرج أعمال أركون في إطار ما يمكن أن نسميه بلغة عبد الكبير الخطيبي بـ "النقد المزدوج. فهو لا يفكك أقانيم الفكر الإسلامي وأساطيره ومواقع السلطة فيه ولكنه يعمد أيضا إلى تفكيك النظرة المركزية الغربية إلى الثقافة الإسلامية. في "الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد" يكتب أركون مفككا الخطاب الغربي حول الإسلام قائلا:

"مهما يكن من أمر، فإنه لم يعد مقبولا حصر الإسلام كله فقط في تجلياته الأصولية أو المتزمتة أو الحركية الإسلاموية كما هو شائع جدا في الغرب. وإذ أقول كلامي هذا فإني لا أنكر أبدا حجم الضغط الاجتماعي لتلك الإيديولوجيا التي تستعير من الإسلام التقليدي مفرداته وشعاراته…ولكن تنبغي إدانة مؤامرة الصمت التي يقوم بها كل المراقبين الغربيين للإسلام المعاصر، بمن فيهم علماء الإسلاميات الأكثر شهرة. أقصد الصمت عن وجود فئات اجتماعية أخرى في المجتمعات الإسلامية غير تيار الإيديولوجيين الإسلامويين" ليخلص أركون إلى أن نجاح الكتب الأصولية المتطرفة داخل المجتمعات الإسلامية لا يختلف كثيرا عن نجاح الكتب الغربية حول الإسلام المليئة بالخلط والأغلاط والهلوسات، كما لو أن نجاح الطرفين مرتبط ببعضهما البعض، تماما كما ذهب وأوضح ذلك بيير بورديو في تحليله للعلاقة الوطيدة بين عقلانية المركز ولاعقلانية الأطرف أو ادوارد سعيد في تحليله للعلاقة العضوية بين الإمبريالية الأمريكية والنظام العربي الرسمي.

يقول أركون: "مهما يكن من أمر، فإنه لم يعد مقبولا حصر الإسلام كله فقط في تجلياته الأصولية أو المتزمتة أو الحركية الإسلاموية كما هو شائع جدا في الغرب."

ينتقد أركون تلك الرؤية السائدة في الغرب والتي لا يمر يوم دون أن نصادفها في وسائل الإعلام على مختلف أنواعها، بل ونصادفها حتى لدى اقطاب اليسار الغربي، والتي تختزل العالم الإسلامي إلى معسكر للتطرف والتزمت، متجاهلة القوى الأخرى داخل هذا المجتمع والتي تناضل منذ عقود من أجل مجتمع مفتوح وحوار نقدي بين الأنا والآخر.

ويندرج في إطار الرؤية الغربية التبخيسية والمتكلسة في أحكامها المسبقة اتجاه العالم الإسلامي الإهمال الذي يعاني منه تدريس تاريخ الإسلام في الغرب كدليل على الإهمال والاحتقار الذي منيت به بلدان الضفة الجنوبية والشرقية للمتوسط من قبل بلدان الشمال. إن الأمر يتعلق برؤيا إيديولوجية لتاريخ حوض البحر المتوسط، رؤية لم تتحرر بعد من أدران الإستعمار وأدواءه وأحقاده، بل إن أركون يعتبرها استمرارا للرؤية الدينية المسيحية وموقفها من الإسلام، ما يترك الباب مفتوحا على مصراعيه لأشباه المستشرقين الذين بدأوا ينتشرون كالفطر في الدول الغربية ويصدرون كتابا بعد آخر كلما انفجرت قنبلة هنا أو سقط صاروخ هناك للتدليل على أن العنف متأصل بالإسلام وعلى أن العداء للسامية مكون من مكونات المجتمعات الإسلامية والإسلامية فقط.

محمد أركون ناقدا للعقل الإسلامي

إن اهتمامه بالفلاسفة العرب وخصوصا بمسكويه صاحب "تهذيب الأخلاق" وبيئته الثقافية والتاريخية هو ما دفعه إلى تغيير تلك الصورة النمطية عن الإسلام والتي تحاول اختزاله كما بينت ذلك الباحثة الألمانية أورسولا غونثر في الإسلاموية والعروبية. لقد تميز مسكويه وآخرون غيره كالتوحيدي والجاحظ وابن رشد بانفتاح كبير على الحضارات والثقافات الأخرى ويكفي الاستشهاد هنا بتلك المقولة المركزية لابن رشد في "فصل المقال:

"وإذا كان هذا هكذا، فقد يجب علينا، إن ألفينا لمن تقدمنا من الأمم السالفة نظرا في الموجودات واعتبارا لها بحس ما اقتضته شرائط البرهان، أن ننظر في الذي قالوه من ذلك وما أثبتوه في كتبهم: فما كان منها موافقا للحق قبلناه منهم وسررنا به وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم. فقد تبين من هذا أن النظر في كتب القدماء واجب بالشرع…"

لا يكتفي ابن رشد في هذا المقام بالدعوة إلى الاستفاذة من الثقافات الأخرى بل يربط تلك الدعوة بالشرع، و يحولها إلى أمر شرعي أو أمر ديني. أو بلغة أخرى يقلب المعادلة ويجعل النقل مبررا للعقل ومبررا لاستعماله وانفتاحه واعتبار كل ذلك طريقا لـ "معرفة الله". لهذا لا يمكننا إلا أن نتفق مع أركون ودفاعه عن وجود انسانوية عربية في التاريخ الإسلامي رغم أنه لا يمكن مقارنتها بالحركة الإنسية في أوروبا لأنها حركة تحررت نهائيا من سلطة الدين في حين لم ير الإنسانويون العرب تضادا بين الحقيقتين الدينية والعقلية. ويخلص أركون في بحثه عن ميسكويه وكما بينت ذلك أورسولا غونثر في كتابها المتميز "أركون ناقدا للعقل الإسلامي" :

"أولا: لقد عرف القرن العاشر حركة إنسية عربية وكان ميسكويه أحد ممثليها ثانيا: الادعاء بأن العرب نقلوا فقط الفلسفة اليونانية وأن ما كتبوه كان تقليدا فقط لا يملك أي أصالة هو ادعاء خاطئ، بل إنهم أعادوا تقييم ما كتبه اليونان وتوسيع آفاقه ونقده وتبيئته" (163).

وقد ندفع بالنتائج إلى حد أبعد من ذلك ونقول بأننا أحوج اليوم إلى تلك الإنسانوية العربية أو إلى روحها المنفتحة التي عرفت كيف تزاوج بين الدين والعقل منا إلى الإنسانوية الغربية التي انتصرت للعقل على الدين ولمركزية عقلية اتخذت في أحايين كثيرة وجوها عنيفة في رفض الآخر، ولعل هذا ما جعل أركون يقدم على تفكيك تلك العقلانوية الباردة التي أرادت أن تخرس الأقاليم الأخرى للإنسان كالروح والدين والمتخيل والأساطير. إنه يدعو إلى عدم الاستهانة بالتجربة الدينية للإنسان وعدم إهمال البعد الروحي والمتعالي كما تفعل الوضعية والمادية. إنها فلسفات لا تأخذ بعين الاعتبار أهمية البعد الأسطوري في الحياة البشرية، فالأسطورة كما يقول أركون:"هي إحدى الطرق لإنتاج المعرفة عن الإنسان".

آفاق العلمانية وأنفاقها

ويندرج حديث أركون عن العلمانية في إطار تفكيكه لتلك العقلانوية الباردة. لقد كان أركون من السباقين إلى المطالبة بإعادة النظر في مفهوم العلمانية المتشددة الذي أنتجته الثورة الفرنسية، وهو يلتقي في دعوته تلك مع فلاسفة كبار على رأسهم يورغن هابرماس الذي أكد في آخر محاضرة له ما يلي:

" من يطرح السؤال عن دور الدين في مجتمع اليوم للنقاش، يسأل عن المكانة المناسبة للدين في الرأي العام السياسي. وللوهولة الأولى يبدو أن الطابع العلماني للدولة الدستورية يتعارض مع كل نشاط سياسي للمواطنين المتدينين أو للجماعات الدينية، الذين يعبرون عن أنفسهم كمؤمنين أو كمنظمات دينية. واستنادا إلى هذا الأساس يعلن ليبراليون مثل جان راولز أو روبرت أودي بأنه من واجبات المواطنة "عدم دعم قوانين أو سياسات أو الدفاع عنها،(…) إذا لم تكن قائمة على استدلالات علمانية مناسبة أو لم تكن مستعدة لتقديمها". لكني شخصيا، أميل إلى أن يكون التواصل السياسي في المجال العمومي مفتوحا أمام كل مساهمة، وكيفما كانت اللغة التي يستعملها. إن السماح بالتعبير عن آراء دينية بحثة في المجال العمومي، لا يمكن الاستدلال عليه فقط بالنظر إلى الأشخاص الذين لا يتوافر لديهم الاستعداد والقدرة على تقسيم قناعاتهم ومعجمهم إلى ما هو دنيوي وماهو ديني، بل إن هناك سببا وظيفيا لذلك، واجب أن لا نختزل في عجلة من أمرنا التعقيد البوليفوني للمجال العمومي المتعدد الأصوات.

فواجب الدولة الديمقراطية أن لا تكبح الرغبة العفوية للأفراد والجماعات في التعبير، لأنها لا تستطيع معرفة ما إذا كان المجتمع، في حال قيامها بالعكس، سينقطع بذلك عن مصادر المعنى والهوية. وخصوصا فيما يتعلق بالمجالات الشديدة الحساسية للحياة الاجتماعية، تتمتع التقاليد الدينية بالقدرة على التعبير على الحدوس الأخلاقية. أو ليس من الممكن أن يتعرف المواطنون العلمانيون في مضامين الآراء الدينية على حدوسهم الشخصية، سواء تلك المخفية أم المكبوتة؟".

لقد كان محمد أركون سباقا إلى الدعوة إلى إعادة النظر في المغامرة التاريخية التي كرست في الغرب نهاية النظام الديني، دون أن يبخس العلمانية دورها التاريخي والتي جاءت لتضع حدا للحروب الدينية. إنه يدعو إلى الانفتاح على صيغة جديدة للعلاقة بين الدين والدولة أو إلى علمنة جديدة لا تتكلس في مقولاتها الرافضة للدين باسم الحيادية والموضوعية حتى أصبح درس الأديان محرما في المدارس وأضحى الناس أميين بكل ما يخص الخطاب الديني والأسطوري. ولهذا يفرق أركون وفي صرامة بين الفكر العلمانوي أو اليعقوبي المتطرف في رفضه للدين والفكر العلماني المنفتح على أقاليم التفكير الأخرى.

samedi 5 décembre 2009

«الآخر» لريشارد كابوتشينسكي و«أخلاق» الرحلة


في كتابه «أسفاري مع هيرودوت» نتعرف الى شخصية الكاتب البولندي ريشارد كابوتشينسكي وفي الآن نفسه إلى طريقة متميزة في الكتابة والتفكير، ورؤية مختلفة إلى العالم، لربما كان كل ذلك وليد صدفة اسمها هيرودوت. لم يكن من المستبعد أن يسلك كابوتشينسكي طريقاً آخر لو أنه لم يتوسل بتاريخ هيرودوت هدية قبل أول سفر يقوم به كصحافي إلى خارج بولندا الشيوعية، قاده يومها إلى الهند. لكن آخر كتبه «الآخر»، وبخلاف كتبه السابقة، لا يمثل متناً رحلياً أو ريبورتاجاً صحافياً، بل محاضرات ألقاها في النمسا وبولندا، وكلها تتمحور حول سؤال الآخر. ذلك السؤال الذي شغل حياته وأسفاره وكتاباته في شكل لا نجد له مثيلاً إلا عند كاتب كلوكليزيو أو فيلسوف كليفيناس. خصوصاً ليفيناس الذي سيحتفي به كابوتشينسكي في محاضراته أكثر من أي شخصية أخرى، ولِم لا وهو الذي أسس للأخلاق كفلسفة أولى، واعتبر الوجه، وجه الآخر أصل المعنى ومآله. يبدأ كابوتشينسكي كتابه بالحديث عن مهنة كاتب الريبورتاج الصحافي، ويرى أنه في لقاء مستمر بالآخر، وبالغريب، وكل لقاء من هذا النوع يمثل لغزاً أو سراً، يتوجب استكناهه والإصغاء الى تفاصيله، فالطريق التي نعبرها، لا نعبرها أكثر من مرة، ولهذا علينا أن نمسك بكل التفاصيل.

إن قضية الآخر مطروحة في كل الثقافات والأديان، بل ونجدها أيضاً في «المتون الرحلية للقرون الوسطى، من ديل كاربيني وحتى ابن بطوطة ومن ماركو بولو وحتى ابن خلدون...». لكن كابوتشينسكي يرى مع ذلك أن غالبية الناس لا تهتم للعالم، وأن التاريخ يعرف حضارات لم تأبه بمعرفة الحضارات الأخرى، ومن بينها الحضارة الأفريقية والصينية، وحتى الامبراطوريات الكبيرة في نظره، الفارسية والعربية والمغولية، لم يكن همها معرفة العالم/الآخر ولكن إخضاعه، ولهذا تمثل أوروبا في نظر كابوتشينسكي استثناء في هذا السياق، فمند بداياتها الإغريقية كان إقبالها على الحضارات الأخرى ليس فقط من أجل السيطرة عليها ولكن أيضاً نتيجة فضول معرفي، وهو ما نجده عند شخصية مثل هيرودوت الذي «كتب من دون حقد ومن دون احتقار عن الآخرين، وجهد في التعرف إليهم وفهمهم، بل كثيراً ما أوضح أن الحضارات الأخرى كانت تتفوق على الحضارة اليونانية في أشياء كثيرة». هيرودوت جاب العالم وحضاراته المختلفة، وكان مدركاً في قرارة نفسه أن معرفة الذات تمر عبر الآخر: «إن الآخر بمثابة المرآة التي أرى فيها وجهي»، يكتب كابوتشينسكي ويتابع أن التقاء أوروبا بالحضارات الأخرى لم ينهج دائماً طريق هيرودوت، بل غالباً ما اتخذ أشكالاً عنيفة ودموية، وهو ما حدث منذ عهد هيرودوت وامتد حتى الحروب الصليبية والحروب الاستعمارية الجديدة التي سطّرت تاريخاً من الدم والوحشية لم يسبق له مثيل. لقد نظرت أوروبا في حينه إلى الآخر كمتوحش، ومفترس للبشر ووثني، ورأت من واجبها السيطرة عليه و «تحضيره». هذا ما كان يقوله الخطاب الرسمي للنخبة الأوروبية، في حين كانت تمتلئ تلك السفن الأوروبية المتوجهة للقاء الآخر، وكما كتب كابوتشينسكي، بالمجرمين والقتلة وقطّاع الطرق وحثالة المجتمع الأوروبي. لقد بعثت أوروبا بأسوأ ما لديها للقاء الآخر، وهو ما يفسر الكثير من الأحكام والخيالات والصور القدحية التي نسجتها شعوب المستعمرات حول الرجل الأبيض.

ويقسم كابوتشينسكي علاقات أوروبا بالحضارات الأخرى إلى أربع حقب أساسية، حقبة التجار والمبعوثين وحقبة الاكتشافات الجغرافية، فحقبة التنوير والحركة الانسية والتي عرفت أول اهتمام بإقامة تبادل ثقافي مع الآخر، ثم الحقبة الحديثة والتي تمتد من عصر الأنوار وحتى عصرنا الحالي. ويرى كابوتشينسكي أن الحقبة الحديثة عرفت ثلاث ثورات في ما يتعلق بالعلاقة بين أوروبا والآخر. الثورة الأنتروبولوجية، والثورة الأخلاقية التي أسس لها ليفيناس وثالثاً التعدد الثقافي والإثني للمجتمعات المعاصرة. فالأنتروبولوجيا علم حصر اهتمامه بالآخر وهو يطلب معرفة هذا الآخر ويقبل باختلاف النوع البشري ولا يميز بين حضارات عظيمة وأخرى حقيرة، وأحد أكبر رموز هذا الاتجاه مالينوفسكي الذي رأى أن لا مناص من البحث الميداني لمعرفة الآخر، فلا يكفي أن نسافر إلى الآخر، بل يتوجب علينا أن نعيش بين ظهرانيه، أو أن نعيشه. أما ليفيناس، فيكتب كابوتشينسكي أن فلسفته جاءت جواباً على كوارث القرن العشرين وما اقترفه الإنسان بحق أخيه الانسان، وهو ما جعل ليفيناس يرى في العلاقة مع الآخر علاقة مؤسسة للأخلاق، حتى أنه اختار كلمة «الدين» لوصف هذه العلاقة أو هذا اللقاء بالآخر الذي يتأسس على المسؤولية وليس على الحرية، فالآخر مصدر الأخلاق وأصل المعنى. أما الثورة الثالثة فتلك المتعلقة بالمجتمع المتعدد الثقافات والأعراق، إلا أن كابوتشينسكي يذكر أن هذا المجتمع يواجه بعض المشاكل ومنها أن كل الحضارات تميل إلى النرجسية وخصوصاً إذا كانت حضارات قوية، وهو ما يفسر مثلاً المركزية الأوروبية، كما أن هناك مشكلاً آخر يتمثل في النزعة القومية التي ترفع من قدر قومية ضد أخرى، والتي تميل غالباً إلى العنصرية. إنها نزعة لا تريد أن تعرف عن الآخر سوى الانتماء القومي ولا تطلب معرفة ما هو أكثر من ذلك، ويرى كابوتشينسكي أن الحقد مكون رئيس من مكونات النزعة القومية. إن الحقد يسكن هذه النزعة باستمرار، لكن حين نعترف مع الفيلسوف البولندي جوزيف تيشنر بأن الوعي الذاتي يتشكل فقط من خلال الحوار ومن خلال لقاء الآخر، حينها سنتجاوز قوميتنا الضيقة التي تضيّق الخناق على وعينا أكثر مما تشكله وتفتح آفاقه.

lundi 24 août 2009

تحية إلى "فكر وفن"


"أن لا يملك فكرة، ومع ذلك أن يكون قادرا على التعبير عنها ،ذاك ما يصنع الصحفي" شذرة لكارل كراوس، تقول أشياء كثيرة عن صحفيي عصره، ولكن أيضا عن صحفيي عصرنا، العرب منهم على الخصوص. فقبل سنوات هاجم الناقد صبحي حديدي، أحد أهم الأصوات الأدبية في ألمانيا "سعيد" ووصف كتابته بالركاكة، دون أن نعرف إلى ماذا استند في حكمه، وما حججه؟ وهل قرأ كل كتابات سعيد؟

برأيي انهم يطلقون الاحكام لأنهم لا يعرفون المحاججة ولا الحوار، وهو ما يصدق أيضا على الكاتب جمال الغيطاني، سبق وقلت أنه لم يتعلم شيئا من نجيب محفوظ (...). الغيطاني يهاجم كل ألمانيا، وليس فقط فكر وفن، ويتناسى في هجومه، أن الأمة ما يجب أن نتجاوزه لا ما أنجزناه. إنها خروجنا إلى العالم والى الآخر، رغبتنا المستمرة بتجاوز هويتنا التي لم تعد أكثر من موت بطيء والتي انتهى بسدنتها المطاف إلى تكفير مفكرين كبار وتشريدهم.

واليوم وبعد صولة خاسرة في الهجوم على ترجمة هولدرلين إلى العربية، يمتطي المحرر الثقافي لصحيفة "الحياة" عبده وازن فرسه الجموح، بحثا عن معركة خرافية جديدة على طريقة الدونكيشوت، ولا يجد سوى معركة "فكر وفن" التي دخلها الغيطاني، وخرج منها مهزوما، ولا أظن أن مصير عبد وازن، الذي أشك بأنه قرأ فعلا عددا من أعداد فكر وفن، سيكون بأفضل من مصير صاحبه. إن صراعا صامتا، آن له أن ينفجر، يعيشه العالم العربي، صراع بين جيل شاب يحس بأن الجيل السابق ممعن في حرمانه من الكلام والتفكير، ولم لا وهو يتربع كحاكم عربي على دور النشر ومؤسسات الصحافة منذ عقود، لكن الجيل الجديد أدرك خواء أوهام هذا الجيل السابق وخرافاته، وأدرك أيضا أن الطريق إلى الحرية والمعرفة وزمن العالم يمر عبر الآخر، عبر الغرب وأن علينا أن نجلس في صمت وامتنان في مدرسة الديمقراطية التي أسست لها الحضارة الغربية، أما التلاميذ المشاغبين فسنتركهم خلف الباب حتى لا يزعجوا سير الدرس.

ملاحظة أخيرة، ألم ينتبه القارئ لأمر غريب، الناقد عبده وازن يضع مجلة اسبري "اليمينية" في سلة واحدة مع لوموند ديبولماتيك. لوموند ديبولماتيك التي نشرت حالة حصار لمحمود درويش وفصل من رواية باب الشمس لإلياس خوري ومقالات كثيرة لإدوارد سعيد وألان غريش المصري الأصل المسؤول عنها وزكية داوود والطاهر بن جلون وغيرهم كثير... ولكن هل يقرأ صاحبنا فعلا؟ أترك الجواب لذكاء القارئ.

مرة أخرى تحية إلى "فكر وفن".

jeudi 13 août 2009



لكم دينكم ولي دنيا

غربان الظلام تنعق، لا تغرد

ردا على أكثر من مقال مسموم

وفي مديح "فكر وفن"



يتبع

lundi 20 juillet 2009

À Christophe Leisten

Ce n'était pas le lieu qui attira son attention mais le temps dans son écoulement, sa lenteur et son infinitude. À chaque recoin et avec chaque pas il ressent le poids du temps ou bien de ce non- temps, Il se sent étranger, non pas à cause des gens, des villes, des coutumes différentes, mais à cause de ce temps. N'est-il pas impropre d'appeler temps ce qui résiste à tous les temps, échappe à sa logique même, je veux dire l'histoire? Dans ce monde une seule ville existe comme dit Calvino, mais il y a plusieurs temps. Il y a le temps qui dure, immobile comme un dogme, et celui qui se transforme, s'articule, se morcelle comme des pas. Il va se poser la question maintes fois. Pourquoi ce nom: el Fna?Y aurait t-il un temps sans lieu? il avait raison de s'interroger et d'interroger les gens,les livres, les arbres ce que veut dire le nom de ce souk. Mais le souk ne peut qu'être temps. Le souk est l'expérience du temps par excellence. On l'a appelé Fna, puisque le temps est Fna.. il ne dure pas.. .. Fna c'est aussi la vie dans le sens religieux, Dar alfanaa, rien qu'un Fna.. l'au delà versus l'ici-bas, Dieu versus l'homme. Le souk est une forme de rébellion contre toute forme de religion. Le souk est l'empire des hommes.. la religion des hommes.. c'est la vie dans sa banalité.. ses consensus.. son pragmatisme.. La vie loin de la rigidité et la jalousie d'un dieu monothéiste, d'un Dieu qui dure.. qui ne tolère pas les autres, qui n'a pas du temps, qui n'aime pas le temps...
رشيد بوطيب
العقل.. قاطع طريق
في صداقة الفلسفة..في نقد الحرية

المجتمع يبدأ من العلاقة، لا من العقل.

لا شيء خارج العلاقة، حتى العقل نفسه نتيجة لقائي بالآخر

قبل الكوجيطو تأتي التحية، يقول ليفيناس